المنجي بوسنينة
26
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
نيل السعادة القصوى . ومن ثم يكون وجوده لذاته لا لغيره . ويختصّ الفلاسفة بالانتماء إلى هذه الفئة . ويصف ابن باجة تدبيره بأنه تدبير صادق ، في مقابل التدابير الكاذبة التي تستعمل لتدبير شؤون المدن الناقصة . وبسبب كثرة آراء أهلها تكثر المدن الناقصة ، فتختلف أفعالها ويحدث فيها الصراع ، مما يؤدّي إلى التغيّر والانقراض . وقد استنبطت الصنائع ، وخاصة صناعتي الطّب والقضاء في المدن الناقصة ، لمعالجة نزاعاتها ومداواة أمراضها . في حين تتميّز الدولة الكاملة بالوحدة ، لأن آراء أهلها كلّها صادقة ، وأفعالها فاضلة لا تدعو إلى المشاكسة والصراع ، ولذلك لا تكون بحاجة إلى صناعتي الطبّ والقضاء ، بل وحتى إلى صناعة « تدبير المتوحّد » . ولم يثر ابن باجة مسألة المدينة الكاملة إلا لضرورة منهجية ، وهي توضيح الآثار السلبية التي تنتج عن كثرة الآراء واختلافها ، وإلا فإنه لم يكن يؤمن بإمكان حصولها . لقد فصل ابن باجة الفلسفة عن السياسة ، وحرّر الفيلسوف من هموم الصنائع العلميّة والغايات المدنيّة كي يتفرّغ لذاته . ولقد عرف عن ابن باجة إرادته في تأسيس « ديناميكا جديدة » ، بفضل تعديله للمفاهيم الأرسطيّة ، وابتكاره لمفاهيم جديدة . وقد انطلق من القيام بتعديل جذري لمفهوم « القوّة » الأرسطي ، فأصبحت تدلّ على القدرة على الفعل ، لا على العطالة عنه . ثمّ عمّم هذا المعنى الجديد للقوّة على المحرّك والمتحرّك معا ، لا على المحرك فقط ، كما كان عليه الحال عند أرسطو . لكن المحرّك ظلّ أقدر على التحريك من المتحرّك ؛ ولهذا سمّي بالغالب ، والمتحرّك بالمغلوب ؛ وسمّي تبادل التأثير بينهما ب « التغالب » . و « مقاومة » المتحرّك هي شكل تحريكه للمحرّك . وأدّت فكرة « التغالب » إلى فكرة أخرى أصيلة هي فكرة « الكلال » . ذلك أنّ تحريك المحرّك وتحرّكه عنه بفعل المقاومة يؤدّي إلى استهلاك قوّته وكلاله . ومن أجل استكمال نظريّته كان عليه أن يعيد النظر في أربعة مفاهيم أساسيّة في الديناميكا الأرسطيّة هي : « الثقل ، والوسط ، والخلاء ، واللّامتناهي بالفعل » . فقد كانت النسبة بين ثقل الجسم المتحرّك وثقل الوسط هي التي تحدّد عند أرسطو سرعة الحركة الطبيعيّة وزمانها ، فتكون سرعة الجسم متناسبة عكسيّا مع مقاومة ثقل أو كثافة الوسط الذي يتحرّك فيه . وهذا معناه أنّ للواسط دورا حاسما في سرعة الحركة وزمانها . لقد لاحظ ابن باجة أنّ هذه النظريّة تؤدّي إلى مأزق ، ذلك أنّه لو وجد جسم يتحرّك في خلاء لا مقاومة فيه لكانت حركته لا نهائيّة . وقد اضطرّ هذا المأزق ابن باجّة أن يعيد النظر في دور « الوسط » ، فلم يعد سببا في الحركة ولا في زمانها ، بل صار عائقا ومقاوما لها . معنى هذا أنّ ابن باجة فصل زمن الحركة عن الوسط الذي تجري فيه ، ممّا جعله يبتكر مفهوما جديدا هو مفهوم « الزّمن الأصلي » . فالزمن يمكن أن يوجد للحركة حتى في غياب الوسط ، أي في الخلاء . ويعني استقلال الزمن الأصلي عن الوسط أنّه يتميّز بالوحدة والثبات ، فلا يتغيّر بتغيّر كثاقة الوسط أو قوّة الجسم المحرّك . أمّا الزيادة على الزّمن الأصلي فتختلف بحسب درجة